فضل سورة الإسراء أسرارها ومقاصدها وفوائدها
فضل سورة الإسراء
سورة الإسراء من السور العظيمة التي تجمع بين العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والتربية، ومصير الأمم، ومكانة القرآن، وكرامة الإنسان، وبر الوالدين، ومشاهد الآخرة. ومن يتأمل السورة يجد أنها ليست مجرد سورة تتحدث عن حادثة الإسراء، بل هي بناء كامل لعقل المسلم وقلبه وسلوكه.
والحديث عن فضل سورة الإسراء لا ينبغي أن يكون مبنيًا على عبارات عامة مثل: “لها أسرار عجيبة” أو “تجلب الرزق” أو “تقضي الحوائج” دون دليل، بل الفضل الحقيقي للسورة يظهر من أمرين: ما ثبت في السنة، وما تضمنته السورة من هدايات عظيمة تغيّر فهم الإنسان للحياة والعبادة والمسؤولية.
وسورة الإسراء عدد آياتها في العدّ الكوفي المعتمد في مصحف المدينة 111 آية، وهي السورة رقم 17 في ترتيب المصحف.
فضل سورة الإسراء الثابت في السنة
من أهم ما ورد في فضل سورة الإسراء أن النبي ﷺ كان يقرأها قبل النوم مع سورة الزمر. فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر، وبني إسرائيل اسم من أسماء سورة الإسراء. والحديث صححه أهل العلم، وذكرته الدرر السنية ضمن فضائل سورة الإسراء والزمر.
وهذا الفضل الثابت يكفي في بيان شرف السورة؛ لأن ملازمة النبي ﷺ لقراءتها قبل النوم تدل على عظم معانيها وأثرها في القلب. لكن هذا لا يعني أن نخترع لها فضائل مخصوصة لم تثبت، مثل تحديد أعداد معينة للرزق أو قضاء الحاجة أو التحصين.
هل ورد فضل خاص لسورة الإسراء في قضاء الحاجة أو الرزق؟
القرآن كله خير وبركة وشفاء وهداية، وسورة الإسراء من القرآن العظيم، لكن لا يصح أن نقول إن سورة الإسراء مخصوصة لقضاء الحاجة أو جلب الرزق أو فك الكرب بعدد معين إلا بدليل صحيح. وقد ورد في بعض الفتاوى المعاصرة أنه لا يُعلم نص صريح من القرآن أو السنة يثبت أن سورة الإسراء مخصوصة لقضاء الحوائج أو جلب الرزق.
يجوز للمسلم أن يقرأ سورة الإسراء بنية التعبد والتدبر والدعاء وطلب الخير من الله، لكن لا ينسب إليها فضلًا خاصًا في الرزق أو قضاء الحاجة إلا بدليل صحيح.
لماذا سميت سورة الإسراء بهذا الاسم؟
سميت سورة الإسراء بهذا الاسم لأنها افتتحت بقول الله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾
الإسراء: 1
فالاسم مرتبط بأعظم حدث ذُكر في بداية السورة، وهو إسراء الله تعالى بنبيه ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وافتتاح السورة بكلمة سبحان يدل على أن الحدث فوق قدرة البشر، لكنه داخل في قدرة الله المطلقة.
والسورة تسمى أيضًا سورة بني إسرائيل؛ لأنها تحدثت في بدايتها عن بني إسرائيل وفسادهم في الأرض، كما في قوله تعالى:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾
الإسراء: 4
الدليل على مقام النبي ﷺ في سورة الإسراء
لا يصح أن نقول إن السورة تعرض مقام النبي ﷺ من غير دليل، بل الدليل حاضر في أكثر من موضع داخل السورة.
أول دليل هو افتتاح السورة بوصف النبي ﷺ بالعبودية:
﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾
الإسراء: 1
وهذا ليس وصفًا عاديًا، بل هو تشريف عظيم؛ لأن الله تعالى نسب عبده إليه في مقام المعجزة. فالعبودية لله هنا مقام رفعة، لا مقام نقص. وكأن السورة تعلم المسلم أن أعلى شرف للإنسان أن يكون عبدًا لله.
ثم يظهر مقام النبي ﷺ في وعد الله له بالمقام المحمود:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾
الإسراء: 79
فهنا دليل صريح على رفعة مقام النبي ﷺ عند ربه، وأن له مقامًا محمودًا يحمده عليه الخلق.
ويظهر تثبيت الله لنبيه ﷺ في قوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾
الإسراء: 74
فهذه الآية تدل على عناية الله بنبيه ﷺ، وتثبيته له أمام محاولات المشركين. إذن الكلام عن مقام النبي ﷺ في السورة ليس كلامًا إنشائيًا، بل له أدلة واضحة: وصف العبودية، ووعد المقام المحمود، وتثبيت الله له أمام الفتنة.
سورة الإسراء ومعجزة الإسراء والمعراج
تبدأ السورة بحدث عظيم يربط بين الأرض والسماء، وبين المسجد الحرام والمسجد الأقصى. وقد جاء التعبير القرآني دقيقًا:
﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾
فالذي أسرى هو الله، والعبد هو النبي ﷺ، والزمن ليل، والغاية أن يرى النبي ﷺ من آيات ربه. وهذا يجعل بداية السورة مليئة بمعاني القدرة والتكريم والتثبيت.
ومعجزة الإسراء ليست مجرد حادثة تاريخية، بل رسالة للمؤمنين أن الله قادر على أن ينقل عبده من ضيق الأرض إلى آفاق التأييد، وأن ما يعجز عنه الناس لا يعجز الله.
فضل سورة الإسراء في تعظيم القرآن
من أعظم آيات سورة الإسراء قول الله تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
الإسراء: 9
وهذه الآية وحدها تكشف قلب السورة. فالقرآن لا يهدي فقط إلى الخير، بل إلى الأقوم: أي الطريق الأعدل، والأصلح، والأثبت، والأهدى في العقيدة والعبادة والأخلاق والحياة.
ومن هنا يظهر فضل سورة الإسراء؛ لأنها تجعل المسلم يرى القرآن كمنهج حياة، لا ككلمات تُقرأ بلا أثر. فالقرآن في السورة نور يهدي، وشفاء يداوي، وحجة تقوم على الناس.
سورة الإسراء والقرآن شفاء ورحمة
قال الله تعالى في السورة:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾
الإسراء: 82
وهذا دليل واضح على أثر القرآن في القلب. والشفاء هنا يشمل شفاء القلوب من الشك، والقلق، والضلال، والحسد، والقسوة، والانحراف. لذلك من الخطأ أن نضيق فضل السورة في حكايات غير ثابتة، ونترك فضلها القرآني العظيم الواضح في الآيات.
فسورة الإسراء تعلم المسلم أن أعظم شفاء هو أن يهتدي قلبه، وأن يرى الحق حقًا، وأن يصلح علاقته بالله وبالناس.
فضل سورة الإسراء في بناء العقيدة
سورة الإسراء مليئة بتقرير التوحيد. فهي تبدأ بتسبيح الله، وتحذر من الشرك، وتقرر أن الله وحده هو المدبر، الرازق، المالك، القادر، المحاسب.
قال الله تعالى:
﴿لَّا تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾
الإسراء: 22
وهذه الآية تجعل التوحيد أساس الكرامة والقوة، كما تجعل الشرك سببًا للخذلان. ومن هنا ففضل سورة الإسراء أنها تعيد ترتيب قلب الإنسان: من تعلق بالخلق إلى تعلق بالخالق، ومن الخوف من الناس إلى الثقة بالله.
فضل سورة الإسراء في بر الوالدين
من أقوى مواضع السورة قوله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
الإسراء: 23
جاء بر الوالدين بعد التوحيد مباشرة، وهذا يدل على عظم حقهما. والسورة لا تكتفي بالأمر العام، بل تدخل في أدق التفاصيل:
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
الإسراء: 23
فإذا كانت كلمة “أف” ممنوعة، فكيف بالقسوة، أو الإهانة، أو رفع الصوت، أو الإهمال؟ هنا تتحول سورة الإسراء إلى مدرسة في الأدب الأسري، لأنها تعلم المسلم كيف يتعامل مع والديه عند الضعف والكبر والحاجة.
دعاء الوالدين في سورة الإسراء
من أجمل ما في السورة أنها لا تكتفي بالنهي عن الإساءة للوالدين، بل تعلمك كيف تدعو لهما:
﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
الإسراء: 24
هذا الدعاء يجمع الرحمة والوفاء والاعتراف بالجميل. وفيه تربية عظيمة للنفس؛ لأن الابن حين يكرر هذا الدعاء يتذكر ضعف طفولته، وتعب والديه، وفضل من رعاه ورباه.
سورة الإسراء وفقه المال والإنفاق
تعالج سورة الإسراء علاقة الإنسان بالمال بطريقة متوازنة. فهي تأمر بإعطاء الحقوق:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾
الإسراء: 26
ثم تنهى عن التبذير:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾
الإسراء: 26
ثم تنهى عن البخل والتقتير:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾
الإسراء: 29
وهذه الآيات تجعل سورة الإسراء من أقوى السور في تعليم المسلم التوازن المالي: لا إسراف، ولا بخل، ولا نسيان لحقوق الأقارب والمحتاجين.
سورة الإسراء وحماية الأسرة والمجتمع
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾
الإسراء: 31
هذه الآية تعالج الخوف من الفقر حين يتحول إلى جريمة أو قسوة أو اعتداء على حق الطفل في الحياة. وهي تعلم الإنسان أن الرزق بيد الله، وأن الخوف من المستقبل لا يبرر الحرام.
ثم تأتي آية أخرى تحفظ طهارة المجتمع:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
الإسراء: 32
والتعبير هنا مهم جدًا؛ فلم يقل: “ولا تزنوا” فقط، بل قال: ولا تقربوا الزنا، أي لا تقتربوا من مقدماته وأبوابه وأسبابه. وهذا من دقة التربية القرآنية؛ لأنها تمنع الطريق قبل الوقوع في النهاية المؤلمة.
سورة الإسراء وحرمة الدماء
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
الإسراء: 33
هذه الآية تقرر حرمة النفس البشرية، وتغلق أبواب العدوان والانتقام والفوضى. ومن فضل سورة الإسراء أنها تبني في قلب المؤمن تعظيم الدماء، فلا يستهين بحياة إنسان، ولا يجعل الغضب أو الهوى مبررًا للظلم.
سورة الإسراء والوفاء بالعهد
قال الله تعالى:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾
الإسراء: 34
هذه الآية تجعل العهد مسؤولية أمام الله، لا مجرد كلام بين الناس. ويدخل في ذلك الوعد، والعقد، والاتفاق، والأمانة، والالتزام المهني، والحقوق الزوجية، والعهود الاجتماعية.
ومن يقرأ سورة الإسراء بتدبر يفهم أن الدين ليس عبادات منفصلة عن الأخلاق، بل عبادة تظهر في الصدق والوفاء والاستقامة.
سورة الإسراء والعدل في المعاملات
قال الله تعالى:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾
الإسراء: 35
هذه الآية تجعل الأمانة في البيع والشراء جزءًا من التدين. فليس من العدل أن يصلي الإنسان ثم يغش، أو يقرأ القرآن ثم يظلم الناس في الميزان، أو يظهر التقوى ثم يأكل حقوق غيره.
ومن فضل سورة الإسراء أنها تربط الإيمان بالسوق، والعبادة بالمعاملة، والقرآن بالحياة اليومية.
سورة الإسراء ومحاربة الشائعات والكلام بغير علم
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
الإسراء: 36
هذه آية عظيمة جدًا في زمن السوشيال ميديا. فهي تنهى عن اتباع الظن، ونقل الأخبار بلا تثبت، والحكم على الناس بلا دليل، والخوض في الدين بلا علم.
ثم تأتي تتمة الآية:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
الإسراء: 36
أي أن الإنسان مسؤول عما يسمع، وما يرى، وما يعتقد، وما ينشر. وهذه من أعظم فوائد سورة الإسراء العملية في عصرنا.
سورة الإسراء وعلاج الكبر
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾
الإسراء: 37
هذه الآية تهدم الكبر من جذوره. فالإنسان مهما علا في المال أو المنصب أو الجمال أو القوة، فهو محدود، ضعيف، لا يخرق الأرض ولا يبلغ الجبال طولًا.
ومن فضل سورة الإسراء أنها تربي المؤمن على التواضع، لا بطريقة نظرية، بل بتذكيره بحقيقته أمام خلق الله العظيم.
سورة الإسراء ومسؤولية الإنسان عن عمله
قال الله تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾
الإسراء: 13
هذه الآية من أقوى آيات المسؤولية الفردية. فكل إنسان مرتبط بعمله، ولا يستطيع أن يهرب من نتيجة اختياراته.
ثم يقول الله تعالى:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
الإسراء: 14
وهذا مشهد عظيم من مشاهد القيامة؛ حيث يواجه الإنسان صحيفة عمله بنفسه. لا يحتاج إلى من يشرح له، لأن العمل واضح، والكتاب حاضر، والحساب واقع.
سورة الإسراء وعدل الله في الحساب
قال الله تعالى:
﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾
الإسراء: 15
هذه قاعدة عظيمة: الهداية تنفع صاحبها، والضلال يضر صاحبه. فلا أحد يحمل عنك إيمانك، ولا أحد يتحمل عنك ضلالك.
ثم يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾
الإسراء: 15
وهذه آية في كمال العدل الإلهي؛ فلا يؤخذ إنسان بذنب غيره، ولا يظلم الله أحدًا.
سورة الإسراء وسنن سقوط الأمم
تتحدث سورة الإسراء عن بني إسرائيل لا لمجرد الحكاية، بل للعبرة. فالأمم حين تفسد، وتعلو، وتظلم، وتترك أمر الله، فإنها تقترب من الهلاك.
قال الله تعالى:
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾
الإسراء: 4
وهنا يظهر جانب مهم من فضل سورة الإسراء: أنها لا تخاطب الفرد فقط، بل تخاطب الأمة، وتحذر من الفساد الجماعي، والعلو، والظلم، والانحراف عن منهج الله.
سورة الإسراء والإنسان العجول
قال الله تعالى:
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾
الإسراء: 11
هذه الآية تكشف طبيعة بشرية عميقة. فالإنسان يستعجل الفرج، ويستعجل النتائج، ويستعجل الحكم على الناس، وربما يدعو بالشر كما يدعو بالخير.
ومن تدبر السورة تعلم التريث، والصبر، وحسن الظن بالله، وعدم اتخاذ القرارات في لحظة غضب أو ضعف.
سورة الإسراء وعلاج اليأس عند الشدة
تعرض السورة صورة الإنسان حين يضعف إيمانه:
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾
الإسراء: 83
هذه الآية تعالج مرضين: الغفلة عند النعمة، واليأس عند البلاء. والمؤمن الذي يتربى بسورة الإسراء لا ينسى الله في الرخاء، ولا ييأس من رحمته في الشدة.
سورة الإسراء والصلاة وقرآن الفجر
قال الله تعالى:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾
الإسراء: 78
هذه الآية تجعل الصلاة محور اليوم. وتخصيص قرآن الفجر بالذكر يدل على شرف هذا الوقت، وأثر القرآن في بداية اليوم.
فمن فوائد سورة الإسراء أنها تربط المسلم بعبادته اليومية: صلاة، وقرآن، وقيام، ودعاء، واستقامة.
سورة الإسراء وقيام الليل
قال الله تعالى:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾
الإسراء: 79
قيام الليل في السورة ليس مجرد عبادة إضافية، بل طريق للرفعة والقرب والثبات. والآية جاءت متصلة بالمقام المحمود للنبي ﷺ، مما يدل على شرف هذه العبادة وأثرها في تزكية القلب.
سجدة التلاوة في سورة الإسراء
تحتوي سورة الإسراء على موضع سجدة تلاوة، في قوله تعالى:
﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾
الإسراء: 109
والآيات قبلها تصور حال المؤمنين حين يسمعون القرآن:
﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾
الإسراء: 107
وهذا مشهد عظيم يبين أثر القرآن في القلوب الحية. فالقرآن عند أهل الإيمان لا يمر على السمع فقط، بل يصل إلى القلب والجوارح، فيظهر أثره خشوعًا وسجودًا وبكاءً.
أهم فوائد سورة الإسراء
من أهم فوائد سورة الإسراء أنها ترسخ التوحيد، وتثبت مكانة القرآن، وتربي على بر الوالدين، وتضبط علاقة الإنسان بالمال، وتحمي المجتمع من الفواحش والظلم، وتغرس المسؤولية الفردية، وتذكر بالآخرة والحساب.
وسورة بهذا العمق لا تحتاج إلى فضائل موضوعة أو مبالغات منتشرة؛ لأن عظمتها ظاهرة في آياتها، وفي أثرها على من يقرأها بصدق وتدبر.
الدروس المستفادة من سورة الإسراء
تعلمنا سورة الإسراء أن العبودية لله شرف، وأن القرآن يهدي للطريق الأقوم، وأن بر الوالدين عبادة عظيمة، وأن المال أمانة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الجسد والحواس والقلب ستُسأل أمام الله.
وتعلمنا كذلك أن الأمم لا تسقط صدفة، بل تسقط حين تفسد وتعلو وتظلم. وتعلمنا أن الإنسان مسؤول عن عمله، وأن كتابه سيُفتح أمامه، وأن العدل الإلهي لا يظلم أحدًا.
خواص سورة الإسراء الصحيحة
فالخواص الصحيحة للسورة هي ما ظهر من هداياتها الثابتة: تثبيت الإيمان، تعظيم القرآن، إصلاح الأخلاق، تربية النفس، تذكير الإنسان بالآخرة، وتعليمه المسؤولية.
أما تخصيص السورة بأعداد معينة للرزق أو الزواج أو قضاء الحاجة أو فك السحر، فهذا لا يثبت إلا بدليل صحيح، ولا ينبغي نشره على أنه دين.
هل تقرأ سورة الإسراء قبل النوم؟
نعم، قراءة سورة الإسراء قبل النوم لها أصل في الحديث الوارد عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. وبني إسرائيل هي سورة الإسراء.
لكن ينبغي فهم هذا بطريقة صحيحة: يقرأها المسلم محبةً للقرآن واتباعًا لما ثبت، لا اعتقادًا في خرافات أو أعداد مخصوصة لم ترد.
كيف ينتفع المسلم بسورة الإسراء؟
ينتفع المسلم بسورة الإسراء حين يقرأها على أنها رسالة عملية له. فإذا مر بآيات التوحيد راجع قلبه، وإذا مر بآيات الوالدين راجع معاملته، وإذا مر بآيات المال راجع إنفاقه، وإذا مر بآيات اللسان والعلم راجع ما ينشره ويقوله، وإذا مر بآيات الحساب راجع أعماله.
الانتفاع الحقيقي بسورة الإسراء ليس أن نبحث فقط عن “سر السورة”، بل أن نسمح للسورة أن تكشف أسرار نفوسنا وتصلحها.
خلاصة فضل سورة الإسراء
فضل سورة الإسراء ثابت من جهة قراءة النبي ﷺ لها قبل النوم مع سورة الزمر، وثابت من جهة ما فيها من هداية عظيمة، وتوحيد، وأخلاق، وتربية، وتذكير بالآخرة، وبيان لمكانة القرآن.
ومن الخطأ أن نترك هذا الفضل الواضح، وننشغل بفضائل لا دليل عليها. فالسورة عظيمة لأنها كلام الله، ولأنها تهدي للتي هي أقوم، ولأنها تبني الإنسان المؤمن من داخله: عقيدةً، وعبادةً، وخلقًا، ومسؤولية.
خاتمة فضل سورة الإسراء
سورة الإسراء ليست سورة تُقرأ للبركة فقط، بل سورة تبني وعي المسلم من جديد. تبدأ بتسبيح الله، وتذكر معجزة الإسراء، وتعرض سنن الأمم، ثم تضع أمام الإنسان وصايا جامعة في التوحيد، والوالدين، والمال، والعرض، والدماء، والعدل، والوفاء، والعلم، والتواضع، ثم تذكره بالآخرة وكتاب الأعمال.
ومن أراد فضل سورة الإسراء حقًا، فليقرأها كما قرأها النبي ﷺ، وليتدبرها كما ينبغي لكلام الله، وليعمل بما فيها من وصايا. فليس أعظم من سورة تقود الإنسان إلى الطريق الأقوم، وتخرجه من الغفلة إلى اليقظة، ومن الكلام إلى العمل، ومن التعلق بالدنيا إلى الاستعداد للقاء الله.