تعريف الحسد في الإسلام
الحسد من أخطر أمراض القلوب، وهو داء قديم أصاب الأمم قبلنا، وكان سببًا في أول جريمة وقعت في الأرض، حين حسد قابيل أخاه هابيل فقتله.
وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء بالتحذير الشديد منه، وبيان حقيقته ومراتبه وآثاره.
ما هو الحسد؟
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد
أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها عنه
فالحسد اعتراض قلبي على قسمة الله، وعدم رضا بما قدره سبحانه لعباده، وهو قبل أن يكون أذى للمحسود، هو احتراق داخلي للحاسد نفسه.
مراتب الحسد عند العلماء
ذكر العلماء أن الحسد ليس درجة واحدة، بل له مراتب متفاوتة في الإثم والخطر، وهي أربع مراتب رئيسية:
المرتبة الأولى: تمني زوال النعمة فقط
وهي أن يتمنى الحاسد زوال النعمة عن غيره دون أن يتمنى حصولها لنفسه، وهذا حسد محرم وإثم عظيم، لأنه كراهية صريحة لفضل الله على عباده.
المرتبة الثانية: تمني زوال النعمة وانتقالها إليه
وهي أشد من الأولى، حيث يجتمع فيها بغض نعمة الله على غيره، والطمع في أخذها لنفسه، وهذا من أخبث أنواع الحسد وأعظمها إثمًا.
المرتبة الثالثة: تمني المساواة
وهي أن يتمنى أن يحصل على مثل نعمة غيره حتى لا يكون هناك تفاوت بينهما، فإذا عجز عن ذلك تمنى زوالها عن غيره، وهذه مرتبة خطيرة لأنها تتحول غالبًا إلى حسد صريح.
المرتبة الرابعة: حسد الغبطة (الحسد المباح)
وهذا يسمى حسدًا مجازًا، وحقيقته الغبطة، وهو أن يتمنى الإنسان مثل النعمة التي عند غيره دون أن تزول عنه، وهذا جائز بل محمود إذا كان في الطاعات.
وقد ورد في الحديث الصحيح
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«لا حسد إلا في اثنتين: رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في الحق»
وهذا ليس حسدًا حقيقيًا، بل منافسة في الخير.
الحسد والعين في القرآن الكريم
ثبت في القرآن أن الحسد والعين حق ولهما تأثير بإذن الله تعالى.
قال الله تعالى
﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾
يقول ابن كثير رحمه الله نقلًا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما
"ليزلقونك" أي ليعينونك بأبصارهم، أي ليحسدونك، لولا وقاية الله لك وحمايته
وفي هذه الآية دليل واضح على أن العين والحسد لهما تأثير حقيقي بإذن الله، وقد جاءت بذلك أحاديث كثيرة صحيحة.
وقال الله تعالى
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾
وقال سبحانه
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
وقال تعالى في سورة الفلق
﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾
وهذا أعظم دليل على خطر الحسد، إذ خصه الله بالاستعاذة منه.
الفرق بين الحسد والغبطة
الحسد تمني زوال النعمة عن الغير
الغبطة تمني مثل النعمة دون زوالها
والأول محرم، والثاني جائز بل محمود في أمور الدين والطاعة.
آثار الحسد على الحاسد قبل المحسود
الحاسد يعاقَب قبل أن يصل أذاه إلى غيره، ومن ذلك:
غم لا ينقطع
سخط من الله
حرمان التوفيق
احتراق القلب
فساد الدين
فالحسد نار تأكل صاحبها قبل غيره.
أسئلة تهم القارئ
هل كل من يتمنى مثل نعمة غيره يكون حاسدًا؟
لا، إذا لم يتمنَّ زوالها عنه فهذا غبطة وليس حسدًا.
هل الحسد يؤثر دون إذن الله؟
لا، لا يقع شيء في الكون إلا بإذن الله، لكن الحسد سبب من الأسباب.
هل الحسد والعين شيء واحد؟
لا، الحسد أعم، والعين نوع من أنواعه وقد تكون بغير قصد.
ما أفضل علاج للحسد؟
الرضا بقضاء الله
كثرة الذكر
الدعاء للمحسود
الاستعاذة بالله
قراءة المعوذتين
خاتمة
الحسد مرض خطير يفسد القلب قبل أن يؤذي الناس، ولا نجاة منه إلا بتزكية النفس، والرضا عن الله، والتسليم لقسمته، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.