أنواع الجن وهيئاتهم في ضوء أقوال العلماء

أنواع الجن وهيئاتهم

قبل الخوض في تفاصيل أنواع الجن وهيئاتهم، يجب التنبيه إلى أن الجن ليسوا صنفًا واحدًا متجانسًا، بل هم أمم وأجناس متعددة، تختلف مراتبهم وقواهم وطبائعهم، كما يختلف البشر فيما بينهم. وقد توسّع العرب قديمًا في تسميتهم بحسب صفاتهم وأفعالهم، فقالوا:
إذا ذكروا الجن خالصًا قالوا: جِنَّة،
وإن كانوا مما يسكن مع الناس قالوا: عامر والجمع عُمّار،
وإن كانوا ممن يعرض للصبيان قالوا: أرواح،
فإن خبث وتعزم فهو شيطان،
فإن زاد في الشر والتمرد فهو مارد،
فإن بلغ الغاية في القوة والدهاء قالوا: عفريت.

وهذا التقسيم نقله القاضي الشبلي وغيره من أهل العلم، وهو تقسيم وصفيّ لا اصطلاحي، لكنه يعكس فهم العرب لطبيعة هذه المخلوقات.


أنواع الجن وهيئاتهم في ضوء أقوال العلماء


العُمّار جن البيوت وسكان المنازل

العُمّار هم الجن الذين يعمرون البيوت ويسكنونها، ولا يكاد يخلو بيت من وجودهم، فهم يأكلون ويشربون مع أهل البيت غالبًا دون أن يشعر بهم الإنس.
وتكون طبيعة العمار مرتبطة بحال أهل البيت أنفسهم، فإن كان أهل البيت من أهل الطاعة والذكر والاستقامة، كان العمار أقرب إلى السكينة ودفع الأذى، وكان وجودهم من آثار بركة الذكر والطاعة.
أما إذا كان أهل البيت من أهل المعاصي والبدع والفجور، كان العمار على شاكلتهم، فيكثر الأذى والعبث، وقد يعبثون بأهل البيت كما يلعب الطفل بالكرة.

وقد انتشرت بين العوام ممارسات باطلة كذبح الذبائح للعمار عند بناء البيوت، ظنًا منهم أن ذلك يرضي الجن، وهذا من الشرك الصريح الذي لا أصل له في الشرع.
وقد روى ابن أبي الدنيا أثرًا ذكره الحافظ ابن حجر أن الجن يشاركون أهل البيت في الطعام إذا لم يُذكر اسم الله، وهذا يدل على خطورة الغفلة عن الذكر لا على جواز استرضائهم.


الشياطين: العصاة المتمردون من الجن

الشيطان في اللغة مأخوذ من البُعد، لأنه بعيد بطبعه عن الخير، وبعيد بفسقه عن الطاعة.
والشيطان ليس اسمًا لإبليس وحده، بل هو وصف لكل متمرد عاتٍ من الجن والإنس، كما قال تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾

والشياطين هم العصاة من الجن، وهم أتباع إبليس وجنده، وقد وصفهم العلماء بأنهم أهل الشر والفساد، لا خير فيهم ولا بركة، وهم الذين يوسوسون ويزينون الباطل ويصدون عن سبيل الله.


المردة: أعتى الشياطين وأقواهم

المارد هو الشيطان الذي بلغ الغاية في التمرد والعتو، والمردة هم أعتى وأقوى الشياطين.
وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله:
﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾

والمردة هم أعوان إبليس المقربون، وأكثرهم تأثيرًا في الإغواء والإضلال، ولهم قدرات تفوق غيرهم من الشياطين، سواء في القوة أو سرعة الحركة أو التأثير على الإنس.


العفاريت: ذروة القوة والدهاء من الجن

العفريت هو أعلى مراتب الجن من حيث القوة والدهاء والنفوذ، وهو مأخوذ من العفر والعفرية، أي النفوذ في الأمر مع شدة وقوة.
وقد ورد ذكر العفريت صراحة في القرآن الكريم في قصة سليمان عليه السلام:
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾

وهذا يدل على قدرة العفريت على طيّ المسافات، وحمل الأثقال العظيمة، وسرعة التنفيذ، مع الأمانة في الأداء، وهو أعلى درجات الجن من حيث الإمكانات الدنيوية.


الغول: حقيقة الغول وتصحيح المفهوم

الغول مأخوذ من التغوّل، أي التلون والتشكل.
وقد ورد في الحديث الصحيح: «لا عدوى ولا صفر ولا غول».
وليس المقصود نفي وجود الغول أصلًا، وإنما نفي ما كانت تعتقده العرب من أن الغول يتشكل ليضل الناس ويهلكهم قهرًا.
والصحيح أن الغول لا يملك القدرة على الإضلال القهري، وإنما قد يكون نوعًا من الجن يتلون ويتشكل، لكنه لا يضر إلا بإذن الله.


السعالي: سحرة الجن وأهل التخييل

السعالى هم سحرة الجن، والسعلاء تطلق على الغول أو ساحرة الجن.
وقد ذكر الإمام النووي أن السعالى هم سحرة الجن، لهم تلبيس وتخييل، فيظهرون الأشياء على غير حقيقتها، ويعتمدون على الخداع البصري والوسوسة والتأثير النفسي.
وهذا يفسر كثيرًا من الظواهر التي يُظن أنها خوارق، وهي في حقيقتها تلبيسات شيطانية.


خلاصة جامعة في أنواع الجن

يتضح مما سبق أن الجن مراتب ودرجات، منهم الساكن، ومنهم المؤذي، ومنهم المتمرد، ومنهم شديد القوة، وكلهم تحت قهر الله وسلطانه.
ولا يملكون ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله، ولا يجوز للمسلم أن يخافهم أو يتقرب إليهم أو يسترضيهم، بل الواجب الاعتصام بالله، وذكره، والالتزام بشرعه، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾

وبهذا الفهم المتوازن، يُغلق باب الخرافة، ويثبت الحق كما جاء في الكتاب والسنة.

احمد الحسيني
احمد الحسيني
مصطفى خميس خريج كلية اللغة العربية جامعة الإسكندرية، لعيب كرة قدم سابق لدي نادي أهلي دمنهور، مدون ومحرر اخبار ومالك عدة مواقع إلكترونية.
تعليقات