تفسير الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون

تفسير قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون


تفسير الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون


تفسير اية الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون

بعد أن قرر الله في مطلع السورة أن هذا القرآن لا شك فيه وأنه هداية للمتقين، بدأ يصف “المتقين” وصفًا دقيقًا يميزهم، لا بالشعارات، بل بأصول جامعة تجمع اعتقاد القلب وعمل الجوارح وسلوك الحياة. فجاءت هذه الآية كأنها بطاقة تعريف لأهل التقوى:
إيمانٌ بالغيب، وصلاةٌ قائمة، وإنفاقٌ صادق.


أولًا: معنى الإيمان في قوله {يؤمنون}

تنوّعت عبارات السلف في تفسير كلمة {يؤمنون}، وكلها تعود إلى معنى واحد من جهة الأصل، لكنها تبرز جوانب مختلفة من حقيقة الإيمان:

  • قيل: الإيمان هو التصديق، ونُقل هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعن ابن عباس وغيرهما: يؤمنون = يصدقون.

  • وقيل: الإيمان هو العمل، كما روي عن الزهري: لأن التصديق الحقيقي يترجم نفسه إلى سلوك.

  • وقيل: الإيمان هو الخشية، كما جاء عن الربيع بن أنس وغيره: لأن الخشية ثمرة المعرفة، وخلاصة الاستسلام لله.

والأقرب – كما رجّح ابن جرير – أن الإيمان هنا ليس معنى واحدًا ضيقًا، بل هو:

اعتقادٌ في القلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح
ويشمل ذلك الخشية، لأن الخشية ليست شيئًا منفصلًا عن الإيمان، بل هي من روحه وأثره.

ولهذا قرر أئمة كثيرون أن الإيمان الشرعي المطلوب إذا أُطلق في النصوص لا ينفك عن هذه الأركان، وأنه يزيد وينقص بحسب العلم والعمل والطاعة.

الإيمان لغةً وشرعًا

  • في أصل اللغة: قد يأتي الإيمان بمعنى التصديق وحده.

  • لكن في الاستعمال الشرعي إذا جاء مطلقًا: لا يكون إيمانًا كاملًا إلا إذا جمع التصديق والقول والعمل.

ولهذا كان القرآن كثيرًا ما يقرن الإيمان بالعمل الصالح، ليبيّن أن الإيمان ليس مجرد معرفة، بل حياة تتحرك.


ثانيًا: معنى {بالغيب} وهل هو وصف للإيمان أم للحال؟

ذكر العلماء احتمالين معتبرين:

1) الإيمان بالغيب على حقيقته

وهذا هو الأشهر والأوضح: أي أنهم يصدقون ويوقنون بما غاب عن حواسهم مما أخبر الله ورسوله به.

2) “بالغيب” حالٌ من المؤمنين

أي أنهم يؤمنون في حال غياب الناس عنهم، لا رياءً ولا نفاقًا، بخلاف المنافق الذي يظهر الإيمان أمام الناس ثم يكشف وجهه في الخفاء.
وهذا معنى لطيف من حيث التربية، لأن الإيمان الذي يظهر في السر هو علامة صدق.

والحقيقة أن المعنى الأول أصلٌ في الآية، والمعنى الثاني يزيده قوة من جهة الوصف السلوكي:
فالمؤمن الحق يثبت إيمانه في الغيب كما يثبته في الشهادة.


ثالثًا: ما المقصود بالغيب في الآية؟

اختلفت عبارات السلف في تحديد “الغيب” لكنها في النهاية تتقارب وتتكامل، لأن الغيب باب واسع يشمل كل ما أخبر الله به مما لا تدركه الحواس.

فمن أقوالهم:

  • الغيب هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة والنار، والبعث بعد الموت… وكل ذلك من الغيب.

  • وقيل: الغيب ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار وما جاء به القرآن من أخبار الآخرة.

  • وقيل: الغيب هو القرآن نفسه، من جهة أنه وحي جاء من عند الله، وأن مصدره غيب عن الناس.

  • وقيل: الغيب هو الإسلام، أو القدر، وكلها داخلة في المعنى لأنها أصول مما يجب الإيمان به.

فالخلاصة أن “الغيب” هنا:

كل ما أخبر الله به مما لا يُرى ولا يُدرك بالحس، لكنه يُدرك بالوحي واليقين.


 

رابعًا: لماذا كان الإيمان بالغيب علامة عظيمة؟

لأن الإيمان بالغيب هو اختبار الصدق الحقيقي:
فمن يؤمن بما يرى قد يصدّق لظهور الدليل الحسي، لكن من يؤمن بما غاب عنه إنما يحمله:

  • صدق التسليم

  • قوة اليقين

  • تعظيم الوحي

ولهذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه معنى نفيس جدًا:
أن الإيمان بالغيب من أعظم الإيمان، لأنه إيمان بلا مشاهدة.

وتقوّي هذا المعنى أحاديث كثيرة في فضل من يأتي بعد الصحابة ويؤمن بالنبي ﷺ ولم يره، وأن لهم فضلًا من جهة هذه الخصيصة: الإيمان بالنبي والوحي غيابًا لا حضورًا.

وهنا تظهر حكمة القرآن:
أنه يمدح الإيمان الذي لا يحتاج إلى مشهدٍ مادي، بل يستند إلى نور الوحي.

تفسير ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

خامسًا: انتقال من “عقيدة القلب” إلى “عبادة الجسد”

{ويُقيمون الصلاة}

بعد الإيمان بالغيب، جاءت الصلاة مباشرة، لأن الصلاة هي أعظم ترجمة عملية للإيمان.

ولم يقل: “يصلّون”، بل قال: {يقيمون الصلاة}، والإقامة أوسع من الفعل المجرد، فهي تعني:

  • أداؤها في وقتها

  • بخشوعها

  • بحدودها وأركانها

  • مع المحافظة عليها وعدم التفريط

فالصلاة ليست مجرد حركة، بل إقامة لعهد العبودية اليومي بين العبد وربه.


سادسًا: انتقال من “عبادة البدن” إلى “سلوك المال”

{ومِمَّا رزقناهم يُنفقون}

ثم انتقلت الآية إلى المال، لأن المال من أشد ما يُختبر به الإنسان.
والقرآن لطيف جدًا هنا، إذ قال: {مما رزقناهم} ليقرر أصلًا عظيمًا:

  • المال ليس ملكًا مطلقًا للعبد

  • بل هو رزق من الله

  • والعبد مستخلف فيه

ثم قال: {ينفقون} بصيغة عامة تشمل:

  • الزكاة الواجبة

  • الصدقة المستحبة

  • النفقة على الأهل

  • الإنفاق في مصالح الخير

والتعبير بـ “مِن” في {مما رزقناهم} يوحي أن الإنفاق لا يعني إعدام المال، بل هو إخراج جزء منه في مواضع الحق، مع بقاء البركة.


ماذا بعد هذه الصفات؟

هذه الصفات الثلاث ليست عناوين عامة فقط، بل هي “مفاتيح” لبقية الصفات التي ستأتي بعدها مباشرة في السورة:
{الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}
ثم يكمل الوصف بما بعده من الإيمان بالوحي والإيقان بالآخرة… إلى أن يختم بقوله:

{أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}


مصطفى خميس
مصطفى خميس
تعليقات