تفسير قوله تعالى ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين تفسير
بعد افتتاح السورة بالحروف المقطعة {الم}، جاء هذا الإعلان الحاسم عن حقيقة القرآن ومكانته ووظيفته، فجاءت الآية جامعة بين:
-
إثبات مصدر القرآن
-
نفي الشك عنه
-
بيان أثره
-
وتحديد من ينتفع به
أولًا: معنى قوله تعالى {ذلك الكتاب}
أجمع جمهور المفسرين على أن المراد بقوله تعالى {ذلك الكتاب} هو:
هذا القرآن
وقد نُقل هذا التفسير عن:
-
ابن عباس
-
مجاهد
-
عكرمة
-
سعيد بن جبير
-
السدي
-
مقاتل بن حيان
-
زيد بن أسلم
-
ابن جريج
وكلهم قالوا:
إن {ذلك} هنا بمعنى {هذا}
وهذا الاستعمال معروف في لغة العرب، حيث يتعاقب اسما الإشارة القريب والبعيد بحسب المقام، لا بحسب المسافة الحسية فقط، وقد حكاه أئمة اللغة، ونقله البخاري عن أبي عبيدة.
وقال الزمخشري:
إن {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره، أي إلى {الم}، كما قال الله تعالى في مواضع أخرى:
-
{لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك}
-
{ذلك حكم الله}
-
{ذلكم الله}
فالإشارة هنا إشارة تعظيم ورفع شأن، لا إشارة بعدٍ مكاني.
أما ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن الإشارة تعود إلى:
-
التوراة
-
أو الإنجيل
-
أو كتابٍ وُعد به النبي ﷺ
فقد ضعّفه المحققون؛ لأنه تكلّف بعيد لا تدل عليه الآية ولا السياق.
ثانيًا: معنى {الكتاب}
الكتاب هنا هو:
القرآن الكريم
ولا خلاف معتبر في ذلك، ومن قال إن المراد به غير القرآن فقد أبعد وأغرق في التأويل بلا دليل.
وسمّي القرآن كتابًا:
-
لعظمته
-
وثبوته
-
وجمعه بين الأحكام والهدى
ثالثًا: معنى قوله تعالى {لا ريب فيه}
الريب في لغة العرب:
-
هو الشك
-
وقد يأتي بمعنى التهمة
-
وقد يُستعمل أحيانًا بمعنى الحاجة
لكن المقصود هنا بلا خلاف:
لا شك فيه
وقد نقل هذا التفسير عن:
-
ابن عباس
-
ابن مسعود
-
أبي الدرداء
-
مجاهد
-
سعيد بن جبير
-
أبي العالية
-
الربيع بن أنس
-
قتادة
-
وغيرهم
وقال ابن أبي حاتم:
لا أعلم في هذا خلافًا
ومعنى الآية:
أن هذا القرآن يقينٌ ثابت، لا مجال للارتياب في كونه من عند الله، كما قال تعالى:
{الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين}
وقال بعض العلماء:
إن الجملة خبرية في اللفظ، لكنها نهي في المعنى، أي:
لا ترتابوا فيه
والوقف الأكمل في الآية هو:
{لا ريب فيه}
لأن ما بعده وصف للقرآن.
رابعًا: معنى قوله تعالى {هدى}
كلمة {هدى} هنا وصف للقرآن، أي:
-
هو في ذاته هداية
-
ودلالة
-
ونور
وتحتمل من جهة اللغة:
-
أن تكون نعتًا
-
أو حالًا
لكن المقصود أن القرآن:
مصدر الهداية الحقّة
خامسًا: لماذا خُصّت الهداية بالمتقين؟
قال الله تعالى:
{هدى للمتقين}
مع أن القرآن هدى للناس جميعًا، لكن الانتفاع الحقيقي به خاص بالمتقين.
كما قال تعالى:
-
{قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}
-
{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا}
فالقرآن:
-
هدى في ذاته
-
لكن لا يهتدي به إلا من فتح الله قلبه
سادسًا: من هم المتقون؟
تنوّعت عبارات السلف في تعريف المتقين، وهي في حقيقتها متكاملة لا متعارضة.
فقال ابن عباس:
هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بالله، ويعملون بطاعته
وقال الحسن البصري:
اتقوا ما حرّم الله، وأدّوا ما افترض عليهم
وقال قتادة:
هم الذين نعتهم الله بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة}
وقال ابن جرير:
الآية تشمل كل هذه المعاني
وجاء في الحديث:
«لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس»
وفي أثر معاذ بن جبل رضي الله عنه:
أن المتقين هم:
الذين اتقوا الشرك، وأخلصوا العبادة لله
سابعًا: أنواع الهداية في القرآن
الهداية في القرآن تُطلق على معنيين:
1️⃣ هداية التوفيق
وهي:
-
الإيمان الذي يُلقى في القلب
-
ولا يقدر عليها إلا الله
كما قال تعالى:
-
{إنك لا تهدي من أحببت}
-
{من يهد الله فهو المهتد}
2️⃣ هداية البيان والدلالة
وهي:
-
إرشاد الطريق
-
وبيان الحق
كما قال تعالى:
-
{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}
-
{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}
والقرآن يجمع بين الهدايتين:
-
بيانًا من جهة
-
وتوفيقًا لمن شاء الله من جهة أخرى . تفسير قوله تعالى الم الخلاف في الحروف المقطعة وحكمتها ومعناها
ثامنًا: معنى التقوى في أصلها
أصل التقوى في اللغة:
الوقاية والحذر مما يُخاف
كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعريفها:
أن تسلك طريقًا ذا شوك، فتشمّر وتجتهد
وقال الشاعر:
خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
فالتقوى:
-
حذر دائم
-
ومراقبة مستمرة
-
والتزام ظاهر وباطن
الخلاصة
هذه الآية وضعت الأساس الكامل لسورة البقرة:
-
قرآن لا شك فيه
-
هداية صادقة
-
لا ينتفع بها إلا من اتقى
فمن دخل القرآن طالبًا للهداية، خرج به قلبًا حيًا،
ومن أعرض عنه، لم تزده الآيات إلا بُعدًا.