تفسير قوله تعالى الم

تفسير قوله تعالى الم الخلاف في الحروف المقطعة وحكمتها ومعناها


تفسير قوله تعالى الم



تفسير الم

افتتحت سورة البقرة بالحروف المقطعة (الم)، وهي من أوائل ما يواجه القارئ عند الدخول إلى السورة، وقد شكّلت هذه الحروف موضع نقاش واسع بين العلماء والمفسرين منذ الصدر الأول، حتى صار الكلام فيها بابًا مستقلًا من أبواب التفسير.

أولًا: موقف السلف من الحروف المقطعة

ذهب جمع من الصحابة والتابعين إلى أن الحروف المقطعة من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، فلا يُجزم بمعناها، ويُردّ علمها إلى الله سبحانه.

وقد نُقل هذا القول عن:

  • أبي بكر الصديق

  • عمر بن الخطاب

  • عثمان بن عفان

  • علي بن أبي طالب

  • عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعًا

كما قال به:

  • عامر الشعبي

  • سفيان الثوري

  • الربيع بن خيثم

واختار هذا الاتجاه عدد من المحققين، منهم أبو حاتم بن حبان، وهو موقف قائم على التسليم وعدم الخوض فيما لم يأتِ فيه نص قاطع.

ثانيًا: القول بأن الحروف المقطعة أسماء للسور أو للقرآن

ذهب فريق آخر من العلماء إلى تفسير هذه الحروف، لكنهم اختلفوا في معناها:

فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:
إن (الم) وأمثالها هي أسماء للسور.

ونقل هذا المعنى عدد من الأئمة، ورجّحه الزمخشري، وذكر أن عليه إطباق أكثر أهل العلم، ونقل عن سيبويه ما يدل على ذلك.

ويستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة:

  • الم تنزيل

  • و هل أتى على الإنسان

فدلّ ذلك على أن هذه الحروف صارت علامة على السورة نفسها.

كما نُقل عن مجاهد وقتادة وزيد بن أسلم أن:

  • الم اسم من أسماء القرآن

  • أو من أسمائه في سياق السورة التي افتُتحت به

ويرى أهل هذا القول أن إطلاق اسم السورة بالحروف المقطعة أمر معهود، ولا يلزم منه أن تكون اسمًا للقرآن كله.

ثالثًا: القول بأن الحروف المقطعة من أسماء الله تعالى

ذهب بعض السلف إلى أن الحروف المقطعة هي من أسماء الله الحسنى أو داخلة فيها.

فقد روي عن:

  • الشعبي

  • سالم بن عبد الله

  • السدي الكبير

ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن:

  • (الم) اسم من أسماء الله الأعظم

كما نُقل عنه أيضًا:

  • أن (الم) معناها: أنا الله أعلم

وقال بعضهم:

  • الألف مفتاح اسم الله

  • واللام مفتاح اسم لطيف

  • والميم مفتاح اسم مجيد

وهذا القول وإن ورد عن عدد من السلف، إلا أن العلماء تعاملوا معه بحذر؛ لأن تعيين أسماء الله توقيفي، لا يثبت إلا بدليل صحيح صريح.

رابعًا: القول بأنها أقسام أقسم الله بها

ومن الأقوال المروية أن:

  • (الم) قسم أقسم الله به

وقد روي هذا عن ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وهو مذهب معروف عند بعض أهل التفسير، حيث يرون أن الله يقسم بما شاء من خلقه، أو بما دلّ على عظمته.

خامسًا: الجمع بين الأقوال ومحاولة التوفيق

حاول بعض المفسرين، وعلى رأسهم ابن جرير الطبري، الجمع بين هذه الأقوال، فقالوا:

  • لا مانع أن تكون هذه الحروف أسماء للسور

  • ودالة على أسماء الله وصفاته

  • وفيها حكم أخرى يعلمها الله

غير أن هذا الجمع نُوقش، لأن:

  • الألفاظ المشتركة في العربية يدلّ السياق فيها على معنى واحد

  • ولا يُحمل اللفظ الواحد على جميع معانيه دفعة واحدة بلا قرينة . فضل سورة البقرة

ولهذا توقّف كثير من المحققين عند حدّ عدم الجزم.

سادسًا: عدد الحروف المقطعة وحكمتها الصوتية

بلغ مجموع الحروف المقطعة في أوائل السور أربعة عشر حرفًا، وهي:
ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن

ويجمعها قولهم:
"نص حكيم قاطع له سر"

وهذه الحروف:

  • تمثل نصف حروف الهجاء

  • وتشتمل على جميع أصناف الحروف العربية

    • الشديدة والرخوة

    • المجهورة والمهموسة

    • المستعلية والمنخفضة

وهذا التناسق الدقيق يدل على أن وراءها حكمة بالغة، وأنها لم تُذكر عبثًا.

سابعًا: الحكمة من افتتاح السور بالحروف المقطعة

اختلف العلماء في الحكمة من ذكر هذه الحروف، ومن أرجح الأقوال:

1️⃣ بيان إعجاز القرآن

وهو القول الذي رجحه:

  • الزمخشري

  • الفراء

  • قطرب

  • ابن تيمية

  • وغيرهم من المحققين

ومعناه:
أن القرآن مكوَّن من نفس الحروف التي يتكلم بها العرب، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.

ولهذا تجد أن:

  • كل سورة افتُتحت بحروف مقطعة

  • أعقبها ذكر القرآن أو وصفه
    مثل:

{الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه}
{حم * تنزيل من الرحمن الرحيم}

وهذا يؤكد أن الحروف جاءت تمهيدًا للتحدي القرآني.

2️⃣ الرد على دعاوى الحساب الزمني

ذهب بعض المتأخرين إلى ربط الحروف المقطعة بحساب المدد والأعمار والفتن، واستدلوا بقصص منسوبة إلى أهل الكتاب.

وقد ورد في ذلك حديث طويل، لكن:

  • إسناده ضعيف

  • ومداره على رواة لا يُحتج بهم

بل إن نفس الرواية تدل على اضطراب هذا المسلك وبطلانه، كما قرره أهل العلم.

الخلاصة المنهجية

الحروف المقطعة:

  • ثابتة بالنص

  • عظيمة الدلالة

  • لكنها من المتشابه الذي لم يجمع العلماء على معنى واحد فيه

والمنهج الأسلم:

  • الإيمان بها

  • واعتقاد أن لها حكمة عظيمة

  • وعدم الجزم بما لم يثبت فيه نص قاطع

كما قال الله تعالى:

{آمنا به كل من عند ربنا}

مصطفى خميس
مصطفى خميس
تعليقات