سورة العصر تفسير ابن كثير
مقدمة تفسير سورة العصر
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة العصر وهي مكية، وهي من السور القصيرة العظيمة المعنى، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم. وقد اشتملت على أصول النجاة والخلاص من الخسران، وجمعت منهج الإيمان والعمل والدعوة والصبر في كلمات معدودة.
وذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب بعد ما بعث رسول الله وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ).
ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر وسائرك حفر نقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.
والوبر دويبة تشبه الهر، أعظم شيء فيه أذناه وصدره وباقيه دميم، فأراد مسيلمة أن يعارض القرآن بهذا الهذيان، فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان.
وقد رأى أبو بكر الخرائطي في كتابه مساوي الأخلاق شيئا من هذا أو قريبا منه.
فضل سورة العصر عند السلف
ذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبيد الله بن حصن قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
وهذا يدل على عظيم مكانة السورة، وأنها كانت تذكيرًا دائمًا لمنهج النجاة والخلاص من الخسران.
تفسير قوله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ابن كثير
العصر هو الزمان الذي تقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، كما قال ابن عباس وغيره، وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو العشي، والمشهور الأول.
فأقسم الله تعالى بالزمان لما فيه من العبر، ولأنه وعاء أعمال العباد، وفيه تظهر نتائج الطاعة والمعصية.
تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ابن كثير
أقسم الله تعالى أن الإنسان لفي خسارة وهلاك، أي أن الأصل في جنس الإنسان الخسران، لأن عمره ينقص، وأعماله إما عليه أو له، ولا ينجو من هذا الخسران إلا من استثناهم الله بعد ذلك.
تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ابن كثير
استثنى الله من جنس الإنسان الذين آمنوا بقلوبهم، فصدقوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات بجوارحهم، فجمعوا بين الإيمان الباطن والعمل الظاهر، وهذا هو الأساس الأول للنجاة من الخسران.
تفسير قوله تعالى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ ابن كثير
أي تواصى المؤمنون فيما بينهم بالحق، وهو أداء الطاعات وترك المحرمات، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الإيمان لا يكتمل إلا بنفع الغير والدلالة على الخير. اقرا ايضا تفسير سورة الفيل ابن كثير كاملة
تفسير قوله تعالى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ابن كثير
أي تواصوا بالصبر على المصائب، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذى الذي يصيب الداعين إلى الحق، لأن طريق الإيمان والعمل والدعوة لا يخلو من المشقة، ولا يثبت عليه إلا من تحلى بالصبر.
خلاصة تفسير سورة العصر
سورة العصر منهج حياة كامل، جمعت بين الإيمان، والعمل، والدعوة، والصبر، وهي ميزان النجاة من الخسران في الدنيا والآخرة. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.