تفسير سورة الناس كاملة
سورة الناس: الاستعاذة العظمى من الوسواس الخناس
وعلاقتها بسورتي الإخلاص والفلق
كان النبي ﷺ يتعوذ بسورتي الفلق والناس، وكان يقول:
«ما تعوذ متعوذ بمثلهما».
ولما نزلتا اكتفى بهما في الاستعاذة، وكان يقول:
«اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين ثلاث مرات إذا أصبحت وإذا أمسيت تكفيك من كل شيء».
وهذا يدل دلالة واضحة على عِظم شأن هاتين السورتين، ومكانتهما في حماية الإنسان من الشرور الظاهرة والخفية.
الرابط بين سور الإخلاص والفلق والناس
سورة الإخلاص تقرر أصل الدين، وهو التوحيد الخالص لله عز وجل، توحيدًا نقيًا صافياً لا شبهة فيه، حتى سُمّيت بسورة الإخلاص.
ثم جاءت سورتا الفلق والناس كتطبيق عملي لهذا التوحيد، لتبيّنا أن ثمرة التوحيد هي:
الالتجاء إلى الله
الاستعاذة به
الاعتصام بحصنه من كل شر
فحين تقول:
«أعوذ بالله»
أو «أسأل الله»
أو «اللهم اكفني…»
فأنت بذلك دخلت في حصن الله، والتجأت إليه مستعينًا به وحده.
افتتاح سورة الناس ومعاني أسمائه سبحانه
افتتح الله هذه السورة المباركة بقوله:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
فالرب هو:
الخالق
الرازق
المربي
العالم بما يصلح عباده
﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾
أي مالكهم وملكهم، المتصرف فيهم، الذي يقضي فيهم بحكمه وأمره.
﴿إِلَٰهِ النَّاسِ﴾
أي المتفرد بالعبودية والوحدانية، لا معبود بحق سواه.
واستشعار هذه المعاني عند التوسل إلى الله دلالة على إدراك العبد فقره المطلق إلى ربه، فكأنك تقول:
يا رب، بما أنك خالقي ومالكي وإلهي، فإني أستعيذ بك من شر الوسواس الخناس.
لماذا قال: (أعوذ) ولم يقل ألتجئ؟
قال أهل العلم:
إن العوذ في لغة العرب هو اللحم الملتصق بالعظم.
فجاء التعبير بـ (أعوذ) ليشير إلى:
الالتصاق
الاعتصام الدائم
الاحتماء الذي لا ينفك
فأنا حين أقول: «أعوذ بالله»
لا ألتجئ مرة وأترك،
ولا أستعين أحيانًا،
بل أنا ملتصق بحفظ الله وجنابه.
معنى الوسواس الخناس
قال تعالى:
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾
الوسواس هو الشيطان، وسماه الله بالمصدر (وسواس) لا باسم الفاعل، لأن:
التسمية بالمصدر أبلغ
تدل على أنه مصدر الوسوسة نفسها
كما تقول:
عمر عادل (صفة)
عمر العدل (مصدر)
فالتعبير بالمصدر أبلغ وأقوى.
وأصل الوسوسة في لغة العرب:
صوت خفي متكرر، كحركة الحلي في أذن المرأة.
فالشيطان يوسوس هكذا:
هواجس
خواطر
تحريض خفي على المعصية
وهذه هي وظيفته التي لا ينفك عنها ليلًا ولا نهارًا.
معنى الخناس
الخناس من خنس، أي:
يتضاءل
يتصاغر
يختفي
فإذا ذكرت الله خنس،
وإذا غفلت وسوس.
قال ﷺ:
«الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس»
سلطان الشيطان وحدوده
قال تعالى:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
فالذين يلجأون إلى الله:
حظ الشيطان منهم ضعيف
لا يستطيع التمكن منهم
وسمى الله وسوسته مع المتقين:
طائفًا
أي يدور ولا يدخل، كالسارق الذي يطوف بالبيت ولا يجرؤ على دخوله.
أما القلوب الغافلة:
فيتمكن منها
ويستحوذ عليها
ويشاركها في طعامها ومعاصيها
الذكر هو الحصن
قال تعالى:
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾
أما المؤمن:
﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾
فالفرق:
غفلة = استحواذ
ذكر = انصراف الشيطان
شياطين الإنس والجن
قال ﷺ:
«تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن»
شيطان الجن:
يهرب بالاستعاذة
شيطان الإنس:
يزين
يدل
يوسوس علنًا
وقد يكون صديقًا أو فكرة أو محتوى
ولذلك قال مالك بن دينار:
شيطان الإنس أشد من شيطان الجن
لماذا كانت الاستعاذة في سورة الناس أعظم؟
سورة الفلق:
استعاذة من أذى يصيب البدن أو المال
سورة الناس:
استعاذة من أذى يصيب الدين
ومصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا.
الخلاصة
الشيطان وسواس خناس
ضعيف مع الذكر
قوي مع الغفلة
والنجاة منه في:
توحيد صادق
قلب عامر بالقرآن
لجوء محب لا خائف