تعريف العين في ميزان الشرع

نقدّم لكم جميع الرقي الشرعية وذلك ضمن سلسلة الرقية الشرعية من الكتاب والسنة كاملة ، مع بيان نوع الرقية الشرعية من موقع بيان القرآن.

تعريف العين في ميزان الشرع


العين تعريف العين

العين في المفهوم الشرعي حقيقة ثابتة دلّ عليها القرآن والسنة وإجماع أهل العلم، وهي أذى يصيب الإنسان أو غيره بسبب نظرٍ يصدر من نفسٍ خبيثة أو معجبة، فيقع الضرر بإذن الله تعالى. وليست العين مجرد نظرٍ بالعين الجارحة، بل هي أثرٌ نفسي وروحي يتوجه من العائن إلى المعيون فيصيبه تارة ويخطئه تارة، بحسب قوة النفس وضعف التحصن وقضاء الله وقدره.

وقد عرّفها ابن القيم رحمه الله تعريفًا دقيقًا جامعًا، فقال في زاد المعاد:
هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين، تصيبه تارة وتخطئه تارة.
فدلّ هذا على أن العين ليست أمرًا وهميًا ولا خرافة، بل تأثير حقيقي من نفس إلى نفس، ومن روح إلى جسد.


الفرق بين العين والحسد عند ابن القيم

بيّن ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أن العين والحسد يشتركان ويفترقان، فقال إنهما يشتركان في أن كل واحد منهما تتكيّف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذاه. فهناك قصد نفسي وتوجه قلبي سابق للإصابة.

أما الفرق بينهما، فإن العائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته غالبًا، بينما الحاسد يحصل له ذلك سواء في حضور المحسود أو غيبته.
ويفترقان أيضًا في أن العائن قد يصيب من لا يحسده أصلًا، بل قد يصيب جمادًا أو حيوانًا أو زرعًا أو مالًا، وإن كان لا يكاد ينفك غالبًا من حسد صاحبه.

وهذا التفريق الدقيق يوضح أن كل عين ليست حسدًا، لكن كل حسد قد يكون معه عين.


هل يشترط في العين الرؤية المباشرة؟

من الأخطاء الشائعة اعتقاد أن العين لا تقع إلا بالرؤية المباشرة، وقد ردّ ابن القيم رحمه الله هذا الوهم، فقال في زاد المعاد:
إن نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون العائن أعمى فيُوصَف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره، وكثير من العائنين يؤثرون في المعين بالوصف من غير رؤية.

وهذا يبيّن أن القضية أعمق من مجرد نظر، بل هي تفاعل نفسي وروحي قد يقع حتى بالوصف والسماع.


العين من الإنس والجن

الإصابة بالعين لا تقتصر على الإنس فقط، بل قد تكون من الجن كذلك، بل قد تكون أشد. وقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من عين الجان وعين الإنس، كما في سنن النسائي، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما.

وهذا دليل صريح على أن عالم الجن يؤثر في عالم الإنس، وأن الاستعاذة والذكر هما الحصن الحصين من شرورهم.


حقيقة أذى العين وخطرها

جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن العين لتولع بالرجل بإذن الله حتى يصعد حالقًا ثم يتردى منه».
وهذا يدل على أن أثر العين قد يبلغ مبلغًا عظيمًا، وقد يكون سببًا في الهلاك بإذن الله تعالى.

وقد يبتلى الإنسان بعينٍ تؤثر في جسده، فتفسد خلايا المخ أو تُحدِث خللًا عصبيًا شديدًا، أو تؤثر في نفسيته فيُصاب بضيقٍ وكآبةٍ واختناقٍ نفسي لا يُعرَف له سبب طبي واضح، وقد تضيق عليه الأرض بما رحبت. وكل ذلك لا يخرج عن قضاء الله وقدره، لكنه سبب من الأسباب التي قد يغفل عنها الناس.


العين بين الطب المادي وعلم الأرواح

يقول ابن القيم رحمه الله عند تفسير سورة الفلق:
فلله كم من قتيل وكم من سليب وكم من معافى عاد مضنيًا على فراشه، يقول طبيبه لا أعلم داءه ما هو. فصدق، ليس هذا الداء من علم الطبائع، هذا من علم الأرواح وصفاتها وكيفيتها ومعرفة تأثيراتها في الأجسام.

وهذا الكلام يضع حدًا للفصل القاطع بين الطب المادي والواقع الروحي، فليس كل ما يعجز الطب عن تفسيره يكون وهمًا، بل قد يكون من باب الأسباب الغيبية التي لا تُدرَك إلا بالوحي.


أكثر هلاك الأمة من العين

روى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس»
قال البزار: يعني العين.

وروى ابن كثير رحمه الله في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«العين حق، لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتي في العين».

وهذا لا يعني الجزم أو التهويل أو ربط كل وفاة بالعين، وإنما يدل على خطورة هذا السبب وكثرة وقوعه، وأن كثيرًا من المصائب والأمراض قد تكون من آثار العين بعد قضاء الله وقدره.


هل كل مرض سببه العين؟

لا يجوز للمسلم أن يطلق الأحكام بلا علم، ولا أن يعلّق كل داء على العين، فالأمراض أسبابها متعددة، لكن هذه النصوص تدل على أن العين سبب حقيقي من أسباب البلاء، وأن كثيرًا من الأمراض العضوية والنفسية والعصبية التي يعجز الأطباء عن تشخيص سببها قد يكون للعين فيها نصيب، لا استقلالًا، بل بإذن الله.


خلاصة جامعة

العين حق ثابت شرعًا، وهي أذى يصيب الإنسان وغيره بتأثير نفسي وروحي من العائن، وقد تكون من الإنس أو الجن، وقد تقع بالرؤية أو بالوصف، وتؤثر في الجسد والنفس، لكنها لا تخرج عن قضاء الله وقدره. والوقاية منها تكون بالذكر، والتحصن، والاعتصام بالله، لا بالخوف والوسواس والاتهام.

والعبد المؤمن يعيش بين الأخذ بالأسباب الشرعية، واليقين التام أن النافع الضار هو الله وحده.

احمد الحسيني
احمد الحسيني
مصطفى خميس خريج كلية اللغة العربية جامعة الإسكندرية، لعيب كرة قدم سابق لدي نادي أهلي دمنهور، مدون ومحرر اخبار ومالك عدة مواقع إلكترونية.
تعليقات